ظلنا… شبح الحرب اللبنانية

War shadow

يستحيل على أي لبناني نكران الدمغة التي ألصقتها الحرب اللبنانية على تاريخنا. فالفروقات وإن كثرت بين اللبنانيين، تبقى الحرب فاصل مشترك لكونها تركت تأثيراً سلبياً على جميع الطوائف. من منا لا يذكر كلمة “حرب” إن سئل عن لبنان في بلاد الخارج؟ كم من فيلم سنمائي شاهدناه ينوه بالحرب على الأقل في لقطةٍ واحدة خلال العرض؟ كم من مسرحيةٍ اشارت إلى “الحرب” فيما يحاول الممثلون إيصال فكرةٍ ما تتعلق بلبنان؟ الأمثلة كثيرة، والحقيقة واحدة. فالحرب اللبنانية تركت أثراً كبيراً على مختلف القطاعات، كالاقتصاد، الجغرافيا، والفن وغيرها. هذا الأثر، ما زال جلياً حتى الساعة، ويظهر للعيان خاصةً… من خلال العلاقات الإنسانية.

فالناس في لبنان على إستعدادٍ دائم للقتال، لمهاجمة من يحاول الإقتراب منهم، للرد على سؤالٍ ما، لمواجهة من يعارض رأيهم… الصبر قليل، الهدوء نادر، التهذيب معدوم، والإحترام متلاشٍ. الشوارع مشحونة بالتوتر، البيوت مملؤة بالشجن، والقلوب مشبعة بالغضب. كأن نيران البنادق التي انطفأت منذ أمدٍ بعيد، قد اشعلت نيران الثأر على مدى الدهور الآتية. كم يلزمنا من الوقت حتى نتغلب على تاريخنا؟

الناس في تأهب دائم كما يتأهب الجيش للقتال. ربما نسي الناس أن خطوط التماس لم تعد على الخرائط انما في الذهنية الذي هيمن عليها الماضي المشؤوم. بالرغم من أنني لم أعش الحرب كاملةً، أشعر وكأنني فعلت. فرياح الحرب حملت معها فتات الذعر الذي عاشه اهلنا اثر القتالات، الألم الذي توج قبور الشهداء… وتحولت هذه الرياح إلى زمهريرٍ من الغضب، باتت تبرز معالمها في تفاصيل حياتنا اليومية.

جرح الناس لدرجة الإذلال، فباتو يبحثون عن فرصٍ للثأر، وتثبيت الوجود. هزم الجميع، لكنهم رفضوا… وما زالوا يرفضون القبول بهذه الحقيقة. بدل أن يكون النصر غاية، أصبح هوس! هوس لتأكيد الذات فقط! نحن لم نعد نحارب ما توهمنا في يومٍ من الأيام أنه الخصم، انما بتنا نحارب ذاتنا. حربنا هي مع الذات الضعيفة، أو بالأحرى المستضعفة، التي لم تستعد نشاطها أبدا. حين يرفض أحد السائقين السماح لك بالمرور… فهو يحاول تثبيت نفسه. حين يرد أحدٌ على سؤالك بنبرةٍ حادة تصرخ وقاحةً من دون مبرر… فهو يحاول تثبيت نفسه. حين يضرب الأب ولده لمجرد أن صوته وهو يلعب أفاقه من النوم… فهو يحاول تثبيت نفسه. حين تصرخ الأم في وجه ابنتها لأنها رفضت الجلوس مع الزوار، ربما لأنها منهمكة… فهي تحاول تثبيت نفسها.

نحمل متراساً أينما ذهبنا لأن الحذر بات درعنا. نشك بالآخر لأننا خذلنا، مرةً تلو المرة…

هناك أناسٌ استشهدوا أيام الحرب، وهناك أناسٌ ماتوا. أما الأحياء اليوم فهم ليسوا بأحياء! لأن الحرب ما زالت تقتلهم… يوماً بعد يوم.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s