…واستيقظ الحلم

child dreaming

كان عيد الموسيقى! كنت كعادتي في شارع الحمراء، جالسةً في إحدى المقاهي أرشف قهوتي بهدوء. تارةً أدردش  مع أفكاري، وتارةً أستمع لصمتها. كان الشارع في ذاك الحين مفعماً بالضوضاء. يحضن المارة بحنان، لا محبةً بها، انما لاستراق السمع، بينما تحكي الناس قصصها للرصيف. وفيما كنت غارقةً في تلك المشاهدات الحياتية، إذا بأنغامٍ موسيقيةٍ تعلو سدًى، كدخانٍ من بركة نار. ذابت الضوضاء، وتحول الضجيج إلى ألحان، فالتمت الحشود وسرت بحماسٍ ملحوظ وراء فرقةٍ تغازل آلات موسيقية متنوعة. وكفنانٍ يلتقي ريشته بعد طول غياب، رسمت الموسيقى بسمات شفافة على وجوه الناس، كمن يضع بصمةً تلمع فرحاً، وسط ليلٍ داكن.

 مضيت في الموكب، وكأن النغمات استقطبت حشريتي بالرغم منها. كان الزياح مليئاً بالضحكات والتهاليل. مشيت مع أفكاري وأدركت أن وحدتي لم تمنعني من السير إلى الأمام، لا بل كانت تدفعني إلى مجهولٍ مثير.

 وفيما كانت ترقص أذناي على ألحان الساكسفون المخدرة، إذا بالصمت يسود المكان، فجأةً ومن دون سابق إنذار. ها إن الزمن يتوقف عن الغناء، فتهدأ عصافير الليل، وينحني الجمهور للسكوت. استوقفتني لحظةٌ، يعجز التاريخ عن محوها، لا بل يثابر على جعلها أسيرةً للزمن. ها اني أرى طفلاً، لا يتجاوز العاشرة من عمره، ممدودٌ جسمه على قطعة كرتون. كان غارقاً في نومٍ عميق، جانب تلةٍ… لا بل جبلٍ من المهملات. قلت لنفسي، لا بد أن صوت الموسيقى، ذلك الصوت الذي أنعش مئات من الناس، كان صاخباً إلى حد الإزعاج لإيقاظ هذا الطفل. ها هو ينهض، والنعاس يحاور جفونه. ينظر حوله بتعجبٍ حزين، محاولاً إدراك حقيقة العالم في تلك اللحظة. كم كان مرتبكاً! أذكر وجهه وكأن تلك اللحظة التحمت بذاكرتي ورفضت مفارقتها إلى الأبد. كان مستسلماً لسباته العميق، بكامل ارادته. وها اننا كالسلاطين نغزو أحلامه لننتشله من غيبوبته السكينة، ونجتذبه إلى وعينا المشوش.

 وهكذا التقت التناقضات. ناسٌ ترفعها موجات الموسيقى فتحلم، وآخرون يغيظها قرع الطبول فتستفق. ليس خوفي أن يكون الطفل قد إضطرب… ولا أن يكون قد إنزعج أو خاف. بل خوفي… أن نكون بفرحنا قد أيقظنا حلمه! وخوفي الأكبر… ألا يحظى بفرصةٍ أخرى، للعودة إلى هذا الحلم!     

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s